Fish

الخميس، 9 ديسمبر، 2010

سجود السهو: تدارك السنن المؤكدة


بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين
فقه الصلاة على المذهب المالكي
سجود السهو
تدارك السنن المؤكدة

يسن تدارك السنن المؤكدة ـ المسهو عنها، إذا لم يفت محل تداركها المحدّد شرعا، وذلك بالإتيان بها فور تذكرها، إماما كان الساهي أو فذا.
وإلاّ بأن فات محل التدارك، مضى الساهي على صلاته التي هو فيها، ثم سجد لنقصها قبل السلام ، إذ لا يجوز الرجوع للإتيان بالسنن المسهو عنها، بعد فوات التدارك، بل وتبطل الصلاة بذلك الرجوع، وفيما يأتي إن شاء الله تعالى، مزيد من التفصيل.
وأمّا عن محل تدارك السنن المؤكدة في مذهبنا، فهو على نوعين:
النـوع الأوّل: التدارك قبل الانحناء للركوع.
وهو أن الساهي، يمكنه أن يتدارك السنن المؤكدة الآتي ذكرها، ما لم ينحن لركوع الركعة التي حصل له فيها السهو، وذلك على المعتمد من المذهب، وبناء على هذا، فإنه  بمجرّد الانحناء للركوع، يفوت التدارك، حيث يحرم الرجوع من فرض إلى سنّة، وحينئذ وجب على الساهي أن يسجد سجدتي السهو قبل السلام.
فإن رجع بعد الانحناء للركوع ، ولو لم يطمئن في ركوعه للإتيان بالسنة المسهو عنها، بطلت صلاته.
ومما يمكن تداركه من السنن المؤكدة وفق هذا الضابط هو:
1/ تدارك السورة:
إذا سها الإمام أو الفذّ وكان غير مستنكح عن قراءة السورة في الركعة الأولى أو الثانيّة ولم يتذكر إلاّ بعد الانحناء لركوع الركعة التي حصل له فيها السهو، فاته التدارك، وحرم عليه الرجوع، لقراءتها، إذ أنّ ذلك مبطل للصلاة، وإنّما عليه مواصلة صلاته، ثمّ قبل سلامه منها، يسجد سجدتي السهو، إلاّ أن يكون مستنكحا، فلا شيء عليه، رفعا للمشقة عنه، وإن سجد فذلك حسن.
2/ تدارك السر للفاتحة:
ومن سها عن قراءة الفاتحة سرا، فقرأ نصفا من آيـاتها، أو أكثر، أو أتم قراءتها كلها جهرا، وسواء قرأ معها السورة أو لم يقرأها، ثم تذكر ذلك قبل الانحناء للركوع إماما كان الساهي أو فذّا، يسن له إعادتها سرا، طلبا لسنية السر، ثمّ يعيد قراءة السورة، إن حصل التذكر  بعد قراءتها، ثمّ بعد الفراغ من الصلاة يسجد سجدتي السهو بعد السلام، لزيادة قول فرض من جنس الصلاة، ألا وهو قراءة الفاتحة، فإن كان قد نقص في صلاته، إلى جانب هذه الزيادة سنة ولو خفيفة سجد قبل السلام، لاجتماع النقص والزيادة حينئذ، ما لم يكن مستنكحا.
وأما لو قرأ الساهي أقل من نصف آيات الفاتحة جهرا وتذكر حينها، أتم باقيها سرا، ولا شيء عليه، وكذا لو أعاد قراءة هذا الأقل.
هذا، وإذا رجع ناسي الإسرار بالفاتحة لقراءتها جهرا بعد الانحناء للركوع، بطلت صلاته، ووجبت إعادتها على المشهور.
وأما مستنكح السهو، فإنه كغير المستنكح فيما يتعلق بإصلاح الصلاة، والتدارك حين التذكر، بيد أنه غير مطالب بالسجود للسهو، قبليا كان أم بعديا، فإن سجد لسهوه، فقد فعل حسنا.
3/ تدارك السر للسورة :
وكذا، يسن ـ أيضا ـ  إعادة قراءة  السورة لأجل سنية السر، بعد قراءة شيء منها أو كلها جهرا، ما لم ينحن الساهي للركوع، ولكنه في هذه الصورة ليس عليه سجود بعد السلام، إذ لا سجود لزيادة السنن القولية الداخلة في الصلاة، بل وكــذا الحكم لو قرأها كلّها جهرا، إماما كان الساهي أو فذّا.
وأما لو رجع الساهي عن الإسرار بالسورة، للقيام بعد الانحناء للركوع، بطلت صلاته وأعيدت أبدا.
وأمّا مستنكح السهو، إماما كان أو فذّا، فإنّه كغير المستنكح، يصلح ما لم يفته التدارك، بيد أنّه غير مطالب بالسجود للسهو، فإن سجد للسهو، فذلك حسن.
4/ تدارك الجهر للفاتحة:
الجهر بالنسبة للفاتحة، كالسر، سنة مؤكدة، بيد أنّ تركه ولو في ركعة واحدة، يعتبر نقصا موجبا للسجود القبلي، بخلاف السر، فإنّه إذا بدل بالجهر، اعتبر، زيادة تستوجب السجود البعدي.
وبناء على هذا، فإن من نسي الجهر بالفاتحة، وتذكره بعد قراءة نصفها، أو كلها، أو تذكره بعد قراءة السورة وقبل الانحناء للركوع، سن له إعادة الفاتحة جهرا، ثم قراءة السورة ولو كان قد قرأها بعد الفاتحة، ثم بعد الفراغ  من الصلاة ، يسجد سجدتي السهو بعد السلام، إن لم يكن قد حصل مع ما ذكر نقص سنة ولو خفيفة، وإلا فقبله ، إماما كان الساهي، أو فذّا.
و أمّا إذا قرأ أقل من نصف الفاتحة سرا، وتذكر حينها، أتم باقيها جهرا ولا شيء عليه، وكذا لو أعاد الذي قرأه  منها سرا.
فإن رجع لإعادة، قراءة الفاتحة لأجل سنية الجهر، بعد الانحناء للركوع، بطلت الصلاة، ووجبت إعادتها.
 وأمّا مستنكح السهو، فإنّه مطالب بالإصلاح ولا سجود للسهو عليه، وإن سجد فذلك حسن.
5/ تدارك الجهر للسورة:
وأمّا الجهر بالسورة  في الصلاة، في ركعة واحدة فسنة خفيفة، كالإسرار بها، لا يترتب على تركه سهوا شيء، إلاّ إذا تكرر السهو عنه، في ركعتين، أو حصـل معه نقص سنة أخرى، أو زيادة في الصلاة فيستوجب السجود القبلي.
ومع هذا فإنه يسن إعادة قراءة السورة، طلبا لسنة الجهر، لمن قرأها سرا، أو أسر بقراءة شيء منها، ما لم ينحن للركوع ، دون أن يسجد للسهو، لاعتبار ذلك زيادة سنّة قولية لا يترتب عليها السجود البعدي، إماما كان الساهي أو فذّا مستنكحا كان أو غير مستنكح.
فإن عاد ناسي الجهر عند قراءة السورة، بعد الانحناء للركوع، بطلت صلاته، وأعيدت أبدا.
6/ تدارك التنكيس في القراءة:
 تنكيس القراءة في  الصلاة، هو قراءة سور القرءان الكريم، أو آياته على خلاف نظم المصحف الشريف وترتيب تلاوته، وذلك كأن يقرأ المصلي، في الركعة الأولى سورة من سوره، أو آية من آياته الكريمة، ثم في الركعة الثانية، يقرأ السورة، أو الآية التي قبلها، ومثل هذا الصنيع، مكروه في الصلاة، إلا أنه قد يحدث أن يقدم المصلي قراءة السورة على الفاتحة سهوا، وحينئذ يسن له أن يعيد قراءة السورة، ما لم ينحن للركوع، ولا شيء عليه، فإن حال الركوع بينه وبين تدارك هذا التنكيس، تمادى على صلاته، وسجد قبل السلام، لنقص السورة التي قرئت على غير سنتها، فإن رجع بعد الانحناء للركوع، بطلت صلاته، ووجبت إعادتها، إماما كان المنكّس أو فذّا مستنكحا كان أو غير مستنكح.
7/ تدارك تكبير العيدين:
وكذا يمكن تدارك تكبير صلاة العيدين، كلا أو بعضا قبل الانحناء لركوع الركعة التي حصل فيها السهو عن التكبير.
ولذلك، فإنه إذا تذكر الساهي إحدى تكبيرات  العيدين، أو كلها، أثناء القراءة، أو بعد تمامها، وقبل الانحناء للركوع، أتى بالتكبير الذي نسيه ثم أعاد القراءة استحبابا، وذلك على المشهور من المذهب، فإذا أتم الصلاة، سجد سجدتي السهو بعد السلام، إن لم يكن قد نقص سنة ولو خفيفة، وإلا فالسجود قبله لاجتماع النقص وزيادة قول  فرض من جنس الصلاة، الذي هو إعادة قراءة الفاتحة.
فإذا لم يتذكر التكبير المسهو عنه، إلا بعد الانحناء للركوع، تمادى على صلاته وجوبا، ولا يرجع للإتيان به، ثم يسجد للسهو قبل السلام، ولو كان المتروك تكبيرة واحدة، وتبع المأموم إمامه في ذلك كله.
فإن رجع للإتيان به بعد الانحناء للركوع بطلت الصلاة، وأعيدت أبدا، مستنكحا كان الإمام أو غير مستنكح.
وأما لو ترك المأموم تكبير العيدين كلا أو بعضا،  فإنه لا يترتب عليه شيء، لحمل الإمام عنه ما ترك عدا تكبيرة الإحرام.

8/ تدارك سجدة التلاوة:
ومما يفوت تداركه بمجرد الانحناء للركوع، سجود التلاوة، وهو في مذهبنا سنة مؤكدة، بيد أنه لا يترتب على تركها سجود للسهو، مطلقا، لكن تكره قراءة الآية التي بها سجدة التلاوة في الصلاة الفرض فقط، إماما كان المصلي، أو فذا.
إلاّ أنه لو صادف وقرأ أحدهما آية السجدة في الفريضة، سجد سجدة التلاوة ما لم ينحن للركوع، وإلا فات محل تداركها، وتبطل الصلاة بسجودها بعده.
وأما لو سها عنها في صلاة النافلة، وتذكرها حال الانحناء للركوع، تركها، وأتم الركعة التي هو فيها على صفتها المعهودة، ثم في الركعة التي بعدها، يستحب له أن يعيد قراءة آية السجدة التي قرأها في الركعة الأولى، ويسجد سجدة التلاوة التي فاته تداركها.
النوع الثـــــاني: التدارك قبل إتمام قراءة الفاتحة.
وهو أنّ الساهي يمكنه تدارك السنن الآتي ذكرها، ما لم يتمّ قراءة الفاتحة، على المعتمد من المذهب. 
وبناء على هذا، فلو أتم ناسي السنة، قراءة الفاتحة، ثم رجع للإتيان بها، بطلت صلاته، لرجوعه من فرض إلى سنة ومن ذلك:
1/ تدارك الجلوس الوسط في الفريضة:
من قام في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، ناسيا الجلوس الوسط لدعاء التشهد إماما كان أو فذا وتذكره قبل مفارقة الأرض بيديه وركبتيه، جميعا، رجع للجلوس وجوبا، حتى ولو بقي على الأرض بيد واحدة أو ركبة واحدة، وأتى بالتشهد المسهو عنه، ثم أتم صلاته، وليس عليه سجود لسهوه هذا، ليسارة ما حصل من تزحزح، وذلك على المشهور من المذهب. فإن تعمد عدم الرجوع لدعاء التشهد، بطلت صلاته على المشهور ـ أيضاـ 
وأما إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه، وقبل أنه يستقل قائما، بل ولو قام واعتدل، أو قبل إتمام قراءة الفاتحة، كره له الرجوع للجلوس الوسط لدعاء التشهد، فإن رجع صحت صلاته على الأظهر من الأقوال، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، إن لم يكن قد نقص ولو سنة خفيفة، وإلا فقبله، وأما مستنكح السهو وإن كان كغير المستنكح في الإصلاح، والتدارك عند بعض الشيوخ في هذه المسألة، إلا أنّه غير مطالب بسجود السهو بعد إصلاحه، أصلا، وإن سجد فحسنا فعل.
وأما لو رجع ناسي الجلوس الوسط، بعد الفراغ من قراءة الفاتحة كلها، بطلت صلاته، وطولب بإعادتها أبدا.
فإن تمادى الساهي عن الجلوس الوسط، على القيام، بعد مفارقته الأرض بيديه وركبتيه، جميعا، وتعمد عدم الرجوع، صحت صلاته، وسجد قبل السلام، جبرا للسنة المؤكدة المتروكة.
هذا وعلى المأموم متابعة إمامه في جميع الأحوال المتقدم ذكرها وجوبا، وإلا بطلت صلاته مع العمد والجهل.
2/ تدارك الجلوس في صلاة النافلة:
وأما إذا قام ناسي الجلوس لدعاء التشهد في صلاة النافلة غير المحدودة، لركعة ثالثة، وتذكر حينها، عليه أن يرجع للإتيان به، سواء فارق الأرض أو لم يفارقها، وسواء استقل قائما أم لم يستقل قائما، بل وإن تذكر ذلك أثناء قراءة الفاتحة، أو بعد تمامها، ثم بعد الإتيان بدعاء التشهد ـ يسجد سجدتي السهو بعد الســلام.
فإن لم يتذكر حتى عقد الركعة الثالثة من صلاة النافلة، برفع رأسه من ركوعها، أتمها أربعا وجوبا، وسجد للسهو قبل السلام، لنقص الجلوس لدعاء التشهد، الذي أصبح جلوس الوسط، وقيل: لنقص السلام، بعد الركعتين الأوليين، وقال بعضهم : يسجد بعد السلام، وعلى كل فالأمر في هذه المسألة يسير، والحمد لله.
ولكن لو حصل مثل هذا السهو في صلاة النافلة المحدودة، كصلوات: الفجر، والعيدين، والاستسقاء، والخسوف، والكسوف، فإنه لا يكمل الساهي شيئا منها وجوبا، لأن زيادة مثلها يبطلها، باعتبارها صلوات حددها الشارع الحكيم، ومخالفته من أكبر الكبائر، وإنما عليه أن يجلس لدعاء التشهد، ثم بعد السلام، يسجد سجدتي السهو، لتمحض الزيادة، وذلك إن لم يكن قد حصل له نقص سنة ولو خفيفة وإلاّ فقبله.
3/ تدارك دعاء التشهد فقط:
قد لا يتصور السهو عن دعاء التشهد فقط، لارتباطه بالجلوس الذي لا  يتم إلا به، ومع هذا،  فتصور حدوثه ممكن، إذ قد يجلس أحدهم بعد سجدتي الركعة  الثانية ثم يقوم ناسيا دعاء التشهد.
ولذلك، فإنه لو حصل مثل هذا السهو، وتذكر الساهي دعاء التشهد، قبل مفارقة الأرض بيديه وركبتيه جميعا، إماما كان أو فذا، جاز له الرجوع للجلوس والإتيان بدعاء التشهد الذي  نسيه، ثم أتم صلاته على هيئتها المعهودة، ولا شيء عليه لخفة ما حصل من تزحزح.
فإن رجع بعد نهوضه للقيام ، أتى به أيضا، ثم بعد سلامه من الصلاة، يسجد سجدتي السهو، لتمحض الزيادة ما لم يكن قد نقص سنة ولو خفيفة، وإلا فقبله، وصحت صلاته إن شاء الله تعالى.
وأما لو تعمد عدم الرجوع بعد أن استقل قائما، تمادى على صلاته ولا شيء عليه، وكان كما لو ترك سنة خفيفة، وفي هذا يقول الفاكهي :"لو جلس الجلسة الوسطى، ونسي التشهد فلم يذكره حتّى نهض، فإنه يتمادى ولا سجود في تركه كالتسبيح، فإن رجع للتشهد بعد نهوضه للقيام لم تبطل صلاته، كما لا تبطل صلاته إذا رجع للجلوس". 
المأموم ودعاء التشهد:
هذا، وإتماما للفائدة، أذكّر بأن كل تشهد من التشهدين الوسط، والأخير، سنة مؤكدة مستقلة، في حق الإمام، والمأموم، والفذ، إلا أنه، قد يسقط الطلب به في حق المأموم، في بعض الأحوال، وذلك كالسهو عنه حتى قام الإمام من الركعة الثانية، حيث يطالب المأموم بالقيام معه ولا يتشهد، وأما إذا نسي المأموم دعاء التشهد الأخير حتى سلم الإمام، فإنه يتشهد، ثم يسلم، سواء تذكره  قبل انصراف الإمام عن محله أو بعد انصرافه عن محله.
وعلى المأموم ـ أيضا ـ متابعة إمامه في رجوعه لدعاء التشهد إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، وكذا في رجوعه وعدم رجوعه لو فارقها بهما، للإتيان به، وإلا بطلت صلاته، سواء تعمد مخالفته أو كان جاهلا للحكم، لا ناسيا أو متأولا.
 والله اعلم ، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى وآله، وصحبه، ومن والاه.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق